ابن عربي

474

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

الميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت والحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة ، وجعل اللّه لهؤلاء الملائكة مراتب في الفلك المحيط ، وجعل بيد كل ملك ما شاء أن يجعله مما يبرزه فيمن هو دونهم إلى الأرض حكمة ، ورفع اللّه الحجاب الذي بين هؤلاء الملائكة وبين اللوح المحفوظ ، فرأوا ما فيه مسطرا أسماءهم ومراتبهم وما شاء الحق أن يجريه على أيديهم في عالم الخلق إلى يوم القيامة ، وجعل اللّه لكل واحد من هؤلاء الملائكة حاجبين ينفذان أوامرهم ، فمجموعهم أربع وعشرون ملكا ، وجعل بين كل حاجبين سفيرا يمشي بينهما بما يلقي إليه كل واحد منهما ، وعيّن اللّه لهؤلاء الذين جعلهم اللّه حجّابا لهؤلاء الولاة في الفلك الثاني منازل يسكنونها ، وأنزلهم إليها وهي الثمانية والعشرون منزلة التي تسمى المنازل التي ذكرها اللّه في كتابه ، فقال ( وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ ) يعني في سيره ، وقد أوحى اللّه في سماء البروج أمرها ، فلكل برج فيها أمر يتميز به عن غيره من البروج ، وجعل لهذه البروج أثرا من أمر اللّه الموحى به فيها فيما دون هذه السماء ، من عالم التركيب والإنسان من حيث جسمه وطبيعته ، وذلك بأن جعل اللّه البروج ترجع إلى أربعة من الطبيعة ، ثم كرر كل واحد من الأربعة في ثلاثة مواضع منه ، وجعل هذه الأقسام كالمنازل والمناهل التي ينزل فيها المسافرون ويسير فيها السائرون في حال سيرهم وسفرهم ، لينزل في هذه الأقسام عند سير الكواكب فيها وسباحتهم ما يحدث اللّه في جوف هذا الفلك من الكواكب التي تقطع بسيرها في هذه البروج ، ليحدث اللّه عند قطعها وسيرها ما شاء أن يحدث من العالم الطبيعي والعنصري ، وجعلها علامات على أثر حركة فلك البروج ، فقسم من هذه الأربعة طبيعته الحرارة واليبوسة ، والثاني البرودة واليبوسة ، والثالث الحرارة والرطوبة ، والرابع البرودة والرطوبة ، وجعل الخامس والتاسع مثل الأول ، وجعل السادس والعاشر مثل الثاني ، وجعل السابع والحادي عشر مثل الثالث ، وجعل الثامن والثاني عشر مثل الرابع ، أعني في الطبيعة ، ولما خلق اللّه هذا الفلك الأول دار دورة غير معلومة الانتهاء إلا للّه تعالى ، لأنه ليس فوقه شيء محدود من الأجرام يقطع فيه - فإنه أول الأجرام الشفافة - فتتعدد الحركات وتتميز ، ولا كان قد خلق اللّه في جوفه شيئا فتتميز الحركات وتنتهي عند من يكون في جوفه ، ولو كان لم تتميز أيضا لأنه أطلس لا كوكب فيه ، متشابه الأجزاء ، فلا يعرف مقدار الحركة الواحدة منه ولا تتعين ، فلو كان فيه جزء مخالف لسائر الأجزاء عدّ به حركاته بلا شك ،